الراغب الأصفهاني

373

الذريعة إلى مكارم الشريعة

والثاني عدو غير مضطغن للعداوة : ولكن يؤدي حاله بالإنسان إلى أن يقع بسببه في مثل ما يقع في كيد عدوه فسمي عدوا لذلك كالأولاد والأزواج . وعلى ذلك قوله تعالى : إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ « 1 » ، وقال عليه السّلام : « ليس عدوك الذي إن قتلته آجرك اللّه في قتله وإن قتلك أدخلك اللّه الجنة ، ولكن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك وامرأتك التي تضاجعك وأولادك الذين من صلبك » « 2 » فجعل عليه السّلام هؤلاء أعداء الإنسان لما كانوا سبب هلاكه الأخروي ، لما يرتكبه من المعاصي لأجلهم ، فيؤدي به إلى هلاك الأبد الذي هو شر من إهلاك المعادي المناصب إياه . واعلم أنه لكون الإنسان ، أو بعض الناس مشاركا للشيطان في المعاداة سمى اللّه تعالى الأعداء شياطين الإنس والجن في قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً « 3 » . وقد سمى كل ما يتأذى به شيطانا حتى قالوا : ما ليلة الفقير إلا شيطان مجنون يؤذي بروح الإنسان والفقير هو اسم بئر فجعله ليلة ورودها شيطانا لتأذيه بها .

--> ( 1 ) التغابن / 14 . ( 2 ) قال صاحب كشف الخفاء : رواه الديلمي عن أبي مالك الأشعري ، والعسكري عن سعيد بن أبي هلال مرسلا ، معناه بلفظ قريب منه ، وحديث أبي مالك عند الطبراني بلفظ مختلف ، لكن المعنى نفسه . كشف الخفاء / 2 / 170 ، حديث / 2144 . ( 3 ) الأنعام / 112 .